2025-04-04 06:25 م

نحنُ أُمَمٌ ظالمةٌ  لا أمةٌ عادلة

2025-04-02

بقلم: علي الزعتري
إن المذلةَ أن نرى إبادة أهلنا في فلسطين، في غزةَ هاشم، و نستمر في التمتع بالحياة كأنها الطبيعة تأخذ مجراها العادل. إن أشَّدَّ المصائب أن يسيل الدم العربي و لا يجد من ينصره.  إن أفظعَ الفواحش أن تُغْتَصبَ الأرض و تُقتلَ النساء و تُبترَ رؤوس الأطفال و تأكل الهوام أجساد الشهداء و نبقى أحياء بلا حياء. إن أفضحَ البلاء أن تأمرنا “إسرائيل” بالامتناع عن إمداد المساكين العُزَّل فنمتنع، و أن تضربنا فنأرزُ وأن تسخر منا فنشيح بوجوهنا كأننا لم نسمع، وأن نحتفظ معها بالعلاقات بأشكالها.  إن المُخزي و المُخجل أن تتصدى شعوبٌ غير عربية للصهيونية و تقود المقاطعة و فضح النازية الصهيونية وتقوم بلادنا بمناوراتٍ عسكرية مع الصهاينة وتوزع قياداتنا البضائع الداعمة للصهيونية و تستقبل عواصمنا أفواج الصهاينة بإسم السياحة والتنسيق و التحاور.  لكن هذا كله هو الحصاد الآسن لممارساتنا منذ قرون حين ناصرنا التزييف و وأدنا العقول و استبحنا التجهيل واسمترئنا الدعةَ.
لقد تعلمنا بعدَ أن كَبِرنا عن تاريخٍ عربيٍّ و إسلاميٍّ تناولَ في تعليمنا جزءاً يسيراً من الحقيقة وهو الجزء البطولي المُشرقْ وغَفَلَ عامداً توثيقَ الحقيقةِ بجموليتها و تفسيرها الموضوعي. الحقيقة تستدعي شمولية الرواية بانتصاراتها وكبواتها ومعرفة لماذا في كل حالة. لقد نشأنا متعلقين بتاريخٍ كَبَتَ الحقبات التي أوصلتنا لأيامنا الحالية كان انتقائياً في التمجيد واللعن ولم يكن عادلاً في الحالتين.  لم نعلمَ عن وجودِ غيرنا ممن هم مِنا، قومياتٌ تشاركنا الحياة مختفيةً عن العين والوجدان.  لم نعلم عن الأكراد والأمازيغ والنوبة ولا عن غيرهم عروقاً وطوائف يشكلون معنا مجتمعاتنا الملونة بثقافتهم وحضارتهم. لم نعلم كيف طغى اللون الواحد على الجميع وكلما طغى على غيره كلما لدى هذه الأقليات الكُثُرْ تجذرت فيها أصالةَ رفض الاندثار، ومعهم الحق.  ولَإنْ نزع الأكراد للثورات قاومَ الأمازيغ بثباتٍ وتصميمٍ حتى اعترفت الحكومات بوجودهم، وسالَمَ النوبةَ المجتمع الأكبرَ فأصبحوا أيقونةً تراثيةً مَتْحَفِيَّةً.  غيرهم خاض غمار التذويب وبعضهم التعذيب تحت أيِّ تسميةٍ تجعلهم أدنى مرتبةً من الباقي.  كل هذه الأقليات التي عانت التهميش كانت جاذبةً للصهيونية التي ترى فيها نموذجاً يمكن استخدامه لصالحها، وفعلت. لم يقل لنا أحد أن المذاهب متعددة وأن فيها اختلافاً لكنها قد و يجب أن تتسامح وإن اختلفت.  نشأنا نستعدي واحداً ضد الثاني ونخاف منه.   وحصل ذات الشأن إذ دارت الأيام والدول وحكمت الأقليات فأطلقت غضبها مثلما كان مغضوباً عليها.  الأيام دواليك تبدأ بالتجهيل والإغفال والمظالم وتقود للثارات الآتية.  نسينا التقوى بينما الله خلقنا شعوباً وقبائل لنتعارف و الأكرم منا هو من اتقى الظلم و التجأ للعدل. وما العدل إن لم يكن بتحرير المغتصبات؟  فهل نستغرب أن تُتركَ فلسطين للصهيونية وهل لا نتوقع ذات المصير في بلدان أُخرى؟  كُلٌّ يقول وتدي عالٍ ولا يصلني طوفان الطاعون الصهيوني فإذا به في عُقرِ داره. النفاق والكذب والاستعلاء والمساخر والظلم والتجهيل أوصلونا ليومنا البغيض هذا.
وباءٌ راسخٌ عندنا هو وباءُ التفرقة والاستصغار الذي يصل للاضطهاد و ثَنْيِ العدالة عن جادةِ الحق.  وباءٌ يرضعهُ الجميع في بيوتهم قبل المدارس والحياة العملية، يقول لهم أنهم الخير و أن الحق معهم ولو أخطأوا وليس لغيرهم الذين هم منهم و إن أصابوا، و يتعلمون النفاق بشأنهِ.   الأمثلةُ كثيرةٌ وطاغيةٌ رغماً على القوانين التي تضعها الدول والتي تسطر الكلمات المنمقة بالمساواة والعدل والسيادة والدفاع عن الأوطان.  لسنا سواء و لا نحنُ متسامحين بخصوص اللجوء الفطريّ للفرد و للأغلبية طالما امتلكت القوة أن تضع نفسها فوق الباقي، و لا عند الأقليات التي حين تصل لمكامن القوة تنزعُ لحمايةِ ذاتها بالاستقواء على الغير بشراسةِ الانتقام.  لا يستثني هذا النموذج العربي ديناً ولغةً وعِرقاً ولا مدينةً أو منطقةً بمدينةٍ ولا نوعاً من المِهَنِ ولا إسماً لعائلةٍ فعندنا في هذا الوباء ما يكفي من أسبابِ استصغارِ الآخر المواطن وغيره وإن استطعنا فإذلاله بالوسيلة المُتاحة.  لكنه لا يستثني المذنب الحقيقي، عدو الله والبشرية، “إسرائيل” و من معها علناً و سِرَّاً. ترى العرب ينتصرون لكرامتهم التي فقدوها عندما يخسر فريقهم الكروي ولا ينتصرون لرأسِ طفلٍ قطعته اليد الصهيونية.  الأمثلةُ كثيرةٌ مما يُخجِل ويُخزي.
أحاولُ العودةَ لأعلمَ من أين أتتنا هذه النعرةَ الوبائية.  رغماً عن شموليةِ إيماننا بالعروبةِ و فرضيةِ وحدة الأمة أكتشف كم كنا مُستَغفَلينَ و نستمر كذلك منافقين.  نقولُ أننا خير أُمةٍ و ننفي عن نفوسنا الظاهر الواضح الجليَّ أننا انحدرنا من الخيرِ للظلمِ حين نستجيبُ لهالةِ تفخيم الذات وتحقير الغير، و التماهي مع العدو و استعداء وتحقير المقاوم الشريف.  أم أننا حقَّاً مؤمنين بما يُرضي غرورنا ونحجبُ عن وعينا الحقيقة فلا نرغب بمعرفةِ المُختفي من تاريخٍ وأسبابٍ قادتنا من الخير للشر أو من العدل للظلم؟  اليوم أقول أننا عَمْداً ضُلِّلْنا لنرى بُعداً واحداً ونستبعد كل ما سواه.  ضَلَّلَنا من روى التاريخ والتراث وكَتَبَ المناهج والمواعظ في تفاصيلها المشرقة وأخفى ما جاء بنا من العدل والخير للظلم وقبول الشر.  ونحنُ رضينا على مدى القرون أن نقفل الأعين و نسدَّ الآذان عن هذا التضليل.  لم نصدق إلا أننا خيرَ أُمةٍ ولو صرنا أكثرها ذُلاًّ.  يقولون أن الله ينصر الكافر العادل و لا ينصر المؤمن الظالم فكيف نكون أُمةَ خيرٍ بهذا الظلم المتراكم والخنوع؟ هذا البُعْدَ الأناني الظالم وَتَدٌ نغرسهُ وحيداً في سفحِ جبلٍ بين وادٍ سحيقٍ وقمةٍ عالية ونمسكه كأنه الحياة.  لا نغرسُ غيرهُ من أوتادٍ ولا نريد لتكون لنا سبباً للترقي أو للهبوط الآمن. وغيرنا يغرس كذلك وتدهُ الموبوء وكلٌّ يدافع عنه ويرفض مشاركةَ الآخر فيصبحون جميعاً متناحرين متعلقين بين الهاوية و القمة فلا هبطوا بسلام ولا ارتفعوا بوئام.  إنه وتد الظلم والتزييف. وتدُ “الأنا” الذي يُنيمَ الأعين ويخدرَ العقول فلا تعد ترى إلا ذاتها وتبرر مقتلة الأخ والشقيقة و تباهي بصداقة العدو.
هل لا يستدعي هذا الوضع العربي، جغرافياً، والإسلامي بحكم العدد، والشامل دياناتً سماويةً تنبثق منها طوائفَ ومِلَلاً وثقافاتً ولغاتً، حملةً واعيةً تدعونا للمصارحةِ والمسامحةِ والتعايش فيما بيننا سعياً للبقاء لا جرياً للشقاء واستعداداً لمواجهة الأعداء؟ طبعاً تستحق. غير أن دعوةَ منح الحقوق وتصحيح التاريخ و مواجهة العدو التي نراها عدلاً يراها الغيرُ فقداناً للمكانةِ والثروةِ والتحكم. يراها الجاهلُ تنازلاً. عندهم ماذا بها لو سال الدم وسُجِنَ الناس وتشردوا وجاعوا ومرضوا واغتُصِبَ حِماهم؟ يقولون طالما نحن بمعزلٍ فهذا قدرهم. طالما نحن نحكم فليتحملوا.  نحن الصفوة وهم الغثاء. بغض النظر عن نوع الاعتقاد بالصفوةِ التي يتمتعون بها. هذا هو منطق اليوم العربي والإسلامي.
نحن نعيش عدالةً بشريةً مُعوَّجةً. في اللحظات السابقة البعيدة التي سادت بها العدالة الإلهية في شكل المُعجزات كان الثمن فناء بشرٍ شوَّهوا العدالة لصالحهم ويا له من ثمنٍ لم نعد نخشاه. و اليوم، منذ استقرت الحياة على انتهاء المعجزات الإلهية لتحقيق العدل، استلم البشر ميزان العدلِ بناءً على غاشمِ القوةِ والسطوة، إلا ما نَدَرَ وصارَ من نوادر القصص. وليس من افتكاكٍ من هذه المعادلة حتى يقضي الله أمراً آخراً في عباده الظالمين والمظلومين فيصحو العرب ويقيموا العدل أولاً في نُصرةِ بلادهم المُستباحة.
 أمرُ الله لا بُدَّ آتٍ و عقاب من ادَعَّى الخيرية على الباقي أشدَّ ليس فقط لأنه ظلمَ و كذبَ و ضلَّلَ و شَوَّهَ بل لأنه أغمضَ عن فلسطين السليبة و بلاد وثغور الأوطان المُستباحة.
– الأردن

عن رأي اليوم