2025-04-04 06:36 م

الطابور الخامس بين المصالح والارتباط

2025-04-03

بقلم: عمر عساف
في خضم أي صراع مصيري، ينبري أشخاص وجماعات من بين الصفوف ليمارسوا دورًا مشبوهًا يخدم العدو أكثر مما يخدم قضيتهم الوطنية. هؤلاء هم ما اصطلح على تسميتهم بـ "الطابور الخامس"، يقفون عند نقطة تقاطع بين المصالح الشخصية والارتباطات الخارجية. يتحركون بدافع منافعهم الضيقة تارةً، أو برباط الولاء والتبعية لقوى معادية تارةً أخرى. هكذا يغدو العدو أمامنا في المواجهة، بينما خنجر الطابور الخامس مغروس في الظهر، يطعن المقاومين بصمت أو بعلانية تحت شعارات خادعة.

ليس الحديث عن الطابور الخامس ترفًا نظريًا، بل هو واقع تاريخي متكرر في تجارب الشعوب. في فرنسا إبان الاحتلال النازي برز من تعاون مع المحتل بدعوى الواقعية أو الحفاظ على المكاسب؛ نالوا بعض الامتيازات وقتها لكنهم حُوسِبوا حسابًا عسيرًا بعد التحرير وسُجِلت أسماؤهم في سجل الخزي. وفي الجزائر أيام الثورة ضد الاستعمار الفرنسي، ظهرت فئة من “الحركيّين” فضّلت مصلحتها بالوقوف مع المستعمر على حساب شعبها، اعتقادًا منهم أن فرنسا المنتصرة لا محالة. لكن حين انبثق فجر الاستقلال، وجد هؤلاء أنفسهم منبوذين، ففرّ كثيرون منهم إلى أحضان من خدموهم ولم يغفر لهم الشعب فعلتهم.

وفي فيتنام أيضًا سعى الاحتلالان الفرنسي ثم الأميركي إلى استمالة عملاء محليين يثبّطون عزيمة المقاومة الفيتنامية ويدعمون مخططات الأجنبي؛ لكن أولئك رُفضوا من ذاكرة أمتهم بعد انتصارها. أما في جنوب لبنان إبّان الاحتلال الإسرائيلي، فقد تشكلت ميليشيا محلية مرتبطة تمامًا بالعدو (جيش لبنان الجنوبي)، اغترّت بمصالح آنية وسلطة موهومة تحت حراب الاحتلال. وعندما اندحر الإسرائيليون عام 2000 تحت ضربات المقاومة، انهار هذا الطابور وهرب كثير من أفراده إلى الخارج، تاركين وراءهم سمعة العمالة تلاحقهم. هكذا تخبرنا دروس التاريخ: من يفضّل خيانة وطنه لأجل منفعة أو ارتباط، قد يربح بعض الوقت، لكنه يخسر نفسه ومكانته في نهاية المطاف، وتقضي عليه ذاكرة الشعوب بلا رحمة.

اليوم، في واقعنا الراهن، تتجلى الظاهرة ذاتها بثوب جديد. نقف في مواجهة احتلال وإملاءات خارجية لا تقل خطرًا عما شهده التاريخ، ونخوض معركة وجود ومصير تتطلب وحدة الصف وصلابة الموقف. ومع ذلك، يطل علينا بعض ضعاف النفوس من سياسيين ومثقفين، ممن يفترض أن يكونوا جزءًا من جبهة شعبهم الداخلية، فإذا بهم يصطفّون عمليًا في الخندق المقابل. بعضهم من أهل السلطة تراه يبرر التنسيق مع العدو والضرب بيد من حديد على المقاومة تحت ذرائع “المصلحة الوطنية” و”تجنيب الشعب ويلات التصعيد”. يتحدثون عن الواقعية السياسية فيما هم يغرقون في الارتهان لقوى الاحتلال، فيحمون مواقعهم ومصالحهم الشخصية على حساب قضية الشعب. يتناسون أنهم بذلك يتحولون – بقصد أو بغير قصد – إلى أدوات يستخدمها العدو لإضعاف المقاومة وتمزيق الجبهة الداخلية. حين تصبح الأجهزة الأمنية المحلية سيفًا مسلطًا على ظهور المقاومين بدلاً من أن تكون درعًا يذود عنهم، وحين تغدو قرارات تلك السلطة انعكاسًا لضغوط المحتل ورغباته، فإنها عمليًا تفقد شرعيتها الشعبية وتؤدي الدور الذي عجز المحتل أحيانًا عن أدائه مباشرة.

وعلى الضفة الأخرى، يظهر بعض المثقفين والإعلاميين ممن ارتضوا لأنفسهم أن يكونوا صدى لرواية العدو. يتشدقون بلغات أكاديمية رنانة حول "عبثية العنف" و"جدوى السلام" و"ضرورة النقد الذاتي"، لكنهم في جوهر خطابهم يتبنّون سردية المحتل بحذافيرها. تراهم يُلقون باللوم على المقاومة عند كل جولة صدام، معتبرين أن رد فعل العدو الوحشي ما هو إلا نتيجة "استفزازات" المقاومة! هذه المعادلة المقلوبة تنزع المسؤولية عن المعتدي المحتل وتضعها على عاتق الضحية المدافعة عن نفسها. ألم نسمع بعضهم يردّدون أن صواريخ المقاومة أو عملياتها هي التي "جلبت الدمار" للمدنيين، متناسين أن المحتل خطط للعدوان والقتل قبل أي فعل مقاوم؟ وكأن شعبًا تحت الاحتلال كان مقدّرًا له أن ينال حريته على طبق من فضة لولا أن مقاوميه أفسدوا الأمر! إنها حجج واهية تختبئ خلف قناع الحرص على الدماء، لكنها في المحصلة تنسجم تمامًا مع دعايات العدو التي تهدف إلى كسر إرادة المقاومة. بعض هؤلاء المثقفين مرتبطون بشبكات مصالح دولية – منح مالية، منصات إعلامية مدعومة – تدفعهم لتبني هذا الخطاب “المعتدل” ظاهريًا، المسموم باطنًا. وآخرون ربما انخدعوا ببريق الطرح السلمي أو خارت عزائمهم أمام طول الطريق وكلفة التضحية، فاختاروا الطريق الأسهل: الاصطفاف ضد المقاومة بحجة العقلانية. لكن العقلانية الزائفة التي تساوي بين الجلاد والضحية ما هي إلا تخاذل مقنّع يساهم في إطالة أمد الظلم.

لا بد من التمييز هنا بين النقد البنّاء من داخل الخندق الوطني وبين سهام التخوين المسمومة التي يطلقها الطابور الخامس. الاختلاف في الرأي مشروع ومطلوب لتصويب المسار وتقوية المناعة الذاتية لأية حركة تحرر؛ فالمقاومة ليست معصومة من الاجتهادات الخاطئة. لكن النقد شيء، وهدم الروح المعنوية وتسفيه فكرة المقاومة من أساسها شيء آخر تمامًا. حين يتحول صوت “النقد” إلى بوق يردّد ما يقوله المحتل حرفيًا، وحين تصبح مخرجات بعض مثقفينا مطابقة لمطالب العدو (من نزع سلاح المقاومة، أو التخلي عن حق الرد، أو المساومة على الحقوق الثابتة)، فإن هذا الصوت لم يعد منا في شيء. إنه حينئذ امتداد لذلك العدو وإن تغلّف بغطاء محلي. الولاء الحقيقي يُمحَّص عند المنعطفات الحادة: إما أن تكون بصف شعبك في وجه من يقتله ويغتصب حقوقه، أو تكون في الصف المقابل. وبينهما هوّة لا جسور فيها. لذا لا يمكننا تجميل موقف من يدعو علنًا أو ضمنيًا لاستسلام المقاومة أو تفكيكها تحت أي ذريعة، ولا مَن يتشفى بآلام شعبه أو يهوّل خسائره ليثبّط العزائم ويزرع اليأس.

إن الانحياز للمقاومة ليس شعارًا عاطفيًا أعمى، بل هو موقف يستند إلى حقائق التاريخ ومنطق الحق. كل تجارب التحرر علّمتنا أن الثورة من الداخل على المحتل كانت طريق الشعوب لنيل حريتها وكرامتها، وأن التضحيات الجسيمة التي قادها المقاومون الأحرار هي ما انتزع الاستقلال وكسر قيود العبودية. وفي المقابل، لم يجنِ دعاة الاستسلام والتعايش مع الظلم سوى الخيبة وسواد الصفحة في تاريخ أوطانهم. اليوم، المقاومة في منطقتنا - بشتى فصائلها وتلاوينها - تقف في الخندق الأول دفاعًا عن الأمة وحقوقها، وترفع رايةً حملتها قبلها كل حركات التحرر الوطنية المنتصرة. والانحياز لها ولخيارها المشروع هو انحياز للمستقبل الحر الذي تستحقه شعوبنا، أما الانحياز للطابور الخامس - تصريحًا أو تلميحًا - فهو سقوط أخلاقي وانحراف عن طريق الوحدة والنصر.

إن نقاشنا البارد في هذا الموضوع الساخن يهدف إلى وضع الأمور في نصابها دون انجرار إلى المهاترات. لسنا ندعو إلى التخوين الاعتباطي أو إسكات كل صوت مخالف، بل ندعو إلى اليقظة والحزم. اليقظة بأن نقرأ مواقف الأشخاص والتيارات بميزان الوطنية الحقة: من ينتقد الأداء بغية تحسينه ليس عدوًا، أما من يمعن في إضعاف الصف وتبرير جرائم العدو فهو ليس منا. والحزم بأن نقف سدًا منيعًا أمام اختراقات الطابور الخامس، عبر فضح ارتباطاته وكشف منطقه الأعوج للناس، وعبر تحصين مجتمعنا ووعينا الجمعي من سموم الإشاعات والدعاية السوداء التي يروّجها. لقد أثبت شعبنا عبر تاريخه الحديث أنه يعرف جيدًا كيف يلفظ العملاء والخونة رغم كل الأقنعة التي يرتدونها، ويعرف كيف يفرز الغث من السمين في لحظات الحقيقة.

في المحصلة، المعركة مع الطابور الخامس هي جزء لا يتجزأ من معركة التحرر الكبرى. فالنصر على العدو الخارجي يستلزم تطهير الصف الداخلي من الشوائب التي تعيقه. وكلما اشتد الضغط الخارجي، ازدادت حاجة مجتمع المقاومة إلى التماسك والتعاضد وعزل الأصوات النشاز التي تضر أكثر مما تنفع. تلك الأصوات ستظل موجودة في كل زمان ومكان، لكنها أبدًا لم تكن هي التي تصنع التاريخ. الذين يصنعون التاريخ حقًا هم أولئك المرابطون على الثغور دفاعًا عن أرضهم وكرامتهم، وهم أيضًا جماهير الشعب التي تحمي ظهر المقاومة وتوفر لها الحاضنة الصلبة. أما الطابور الخامس، فمكانه المزابل الخلفية للتاريخ، حيث ينتهي كل من اختار خيانة الأمانة والتنكر لدماء الشهداء وتضحيات المناضلين. سيذكر الناس دومًا من وقف معهم في ساعات العسرة، تمامًا كما سيلفظون من طعنهم وخذلهم. تلك هي سنة التاريخ التي لا تتخلف: بين المقاومة والخيانة لا توجد منطقة رمادية طويلة الأمد. عاجلًا أم آجلًا، سينجلي الموقف، وستظهر الوجوه على حقيقتها، وحينها لن ينفع المتلونين مالٌ ولا جاهٌ اقتنوه من عرق الاحتلال. سيكون قد فات الأوان على الندم، وسينفع الحق أهله ويخيّب عمَلاءُ الداخل ظنّ أسيادهم بهم، ويعود القرار للشعب وأصحاب القضية وحدهم. هذا ما يجب أن نعيه ونحن نخوض هذا النقاش الهادئ في موضوع يلتهب حولنا، فبرد الأفكار ورصانتها هو ما يحصّننا أمام نيران الفتنة والتآمر الداخلي، ويجعلنا أكثر قدرة على مواجهة العدو الحقيقي وتحقيق النصر الذي نستحقه.

موقع الوطن