بقلم:جمال زحالقة
أعلن وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس، فجر أمس الأربعاء، توسيع العدوان العسكري على قطاع غزة بشكل كبير، وقال إن دولته قررت احتلال مناطق واسعة وضمّها إلى المنطقة الأمنية، الممتدة على طول شريط الطوق حول غزة من جهات الشمال والشرق والجنوب. هو لم يوضّح مساحة المنطقة المنوي احتلالها، ونقل الإعلام الإسرائيلي أنّها تصل إلى حوالي ربع مساحة قطاع غزّة «في هذه المرحلة». وجاء في تصريح كاتس أن الغاية من العملية العسكرية هي «تنظيف المنطقة من المخربين وتدمير البنى التحتية للإرهاب، والسيطرة على مساحات واسعة وضمّها إلى المناطق الأمنية الإسرائيلية. أدعو سكان غزّة للعمل على طرد حماس وإعادة جميع المخطوفين ـ هذه هي الطريقة الوحيدة لإنهاء الحرب».
بعد نشر هذا الإعلان، أصدرت عائلات المحتجزين الإسرائيليين بيانا شديد اللهجة اتهمت فيه الحكومة بالتخلي عن «المخطوفين» وتعريض حياتهم للخطر. هنا سارع كاتس إلى إصدار «توضيح» حول غاية العملية العسكرية: «الهدف من عملية «القوّة والسيف» هو، أوّلا وقبل كل شيء، زيادة الضغط لإطلاق سراح جميع المختطفين في مواجهة رفض حماس.. توسيع العملية هذا الصباح سيزيد الضغط على قتلة حماس وعلى سكّان غزّة وسيدفع نحو تحقيق الهدف المقدّس والمهم لنا جميعا». وقال مسؤولون إسرائيليون إن الهدف هو «الضغط الأقصى» لإجبار حركة حماس على الموافقة على إطلاق سراح المزيد من المحتجزين، وهددوا بمواصلة الحصار التام وإغلاق جميع المعابر، وحجب المساعدات الإنسانية كافة.
السياق الذي انطلقت منه المرحلة الجديدة من حرب الإبادة الإسرائيلية هو موقف أمريكي مساند بلا شروط، ولا حتى المطالبة بمراعاة الحالة الإنسانية. الإدارة الأمريكية الجديدة لا تمانع في اتباع سياسة التجويع ودفع سكان القطاع نحو المزيد من الكوارث الإنسانية. كما أن هذه الإدارة سلّمت إسرائيل الأسلحة الفتّاكة، والقنابل العملاقة التي طلبتها، ويبدو أن مخازن السلاح الإسرائيلية مليئة ومعبّأة بالكامل، ومشكلة إسرائيل الكبرى في هذه المرحلة هي التجاوب المنخفض لقوّات الاحتياط، ما يزيد من العبء على القوات النظامية، ولكن طالما بقيت الحرب محصورة في غزة فإن لدى الجيش الإسرائيلي ما يكفي من الفرق العسكرية المقاتلة لمواصلة العدوان الوحشي، خاصة أنها ـ كما يبدو- حرب تصعيد متدرّج.
لم تعد إسرائيل تخفي أن ركيزتها الاستراتيجية هي استهداف المدنيين للضغط على المقاتلين حتى يرضخوا للشروط الإسرائيلية في تسليم المحتجزين، والرحيل عن غزة (انظر تصريح كاتس أعلاه). والأساليب التي تتبعها الدولة الصهيونية هي التجويع والقتل والتدمير والترحيل بأشكال وأعداد وأحجام وكميات، لا مثيل لها في تاريخ الجرائم التي ارتكبتها إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني، فمنذ بداية حرب الإبادة وضعت إسرائيل قاعدة «واحد مقابل مئة»، التي تسمح بالقيام بعملية اغتيال قائد من حماس حتى لو أدّى ذلك إلى قتل مئة من المدنيين الموجودين حوله. واستعان الجيش الإسرائيلي في ذلك ببرامج خاصة للذكاء الاصطناعي بعد تحويلها إلى «آلة وحشية» وإخضاعها لما هو لازم لتنفيذ حرب الإبادة الجماعية. كما حدد جيش الاحتلال «مناطق إبادة»، يصبح كل من يدخلها هدفا «شرعيا» للقتل، واتبع هذا الجيش مبدأ «صفر خطر على الجنود»، وترجمته العملية أن من حق الجنود إطلاق النار على كل «مشتبه فيه» قد يشكل خطرا عليهم فورا أو لاحقا، وكان هذا المبدأ هو سبب قتل ثلاثة محتجزين إسرائيليين رفعوا الرايات البيضاء. وهذا ما يطلق عليه «مبدأ الاستبدال» ومعناه «خفض الخطر عن الجنود ونقله لمدنيي الطرف الآخر».
لقد خاب ظن من توهّم أن فظاعة الجرائم في غزّة ستدفع المجتمع الإسرائيلي نحو محاسبة الذات، الذي حدث هو العكس، حيث إن أوساطا واسعة تدعو إلى المزيد وصولا إلى «سحق غزة» وتهجير سكانها. وعليه فإن الجيش الإسرائيلي يتجه إلى استراتيجية أشد عنفا وفتكا وأكثر وحشية وفظاعة، مدفوعا من حكومة «صهيونية الإبادة» ومسنودا من الولايات المتحدة، ومدعوما من المجتمع الإسرائيلي، الذي يطلب فقط ضمان تحرير المحتجزين وفتح «باب جهنم» على غزة بعدها. ومهما ارتكب الجيش الإسرائيلي من جرائم، تجري تغطيتها ودمجها في «المعايير الأخلاقية» لجيش الإبادة الجماعية. هذه المعايير وغيرها من المبادئ اللاأخلاقية ليست حكرا على اليمين السياسي والأمني في إسرائيل، بل هي من صياغة التيار المركزي الإسرائيلي، وجرت صياغة قسم كبير منها من قبل أساتذة فلسفة الأخلاق (وفي مقدمتهم بروفيسور آسا كاشير، أستاذ الفلسفة في جامعة تل أبيب)، الذين يتحمّلون مسؤولية الإبادة الجماعية في غزة لا أقل من الضباط والجنود، تبعا لمسؤوليتهم عن تسطير «الكود الأخلاقي للجيش الإسرائيلي»، الذي يتسع لجرائم الإبادة الجماعية كافة. لقد أصبح القتل والتدمير غاية بحد ذاتها، لزرع الرعب والترويع في المحيط وللإمعان في الثأر والانتقام ولإعادة الثقة بالنفس للجيش ومستوطني المناطق الحدودية. ويبدو أن الاستنتاج الإسرائيلي الفظيع من جولات القتال السابقة هو أنه لا يمكن القضاء على حماس مباشرة، وعلى جيش الاحتلال أن يستهدف المدنيين بالإبادة والترحيل لتحقيق النصر المنشود. لقد قتل الاحتلال أكثر من مئة فلسطينية وفلسطيني خلال أيام عيد الفطر المبارك، ولحق بهم العشرات خلال صباح أمس الأربعاء، مع الإعلان عن مرحلة توسيع العدوان، وبلغ عدد الشهداء منذ ألغت إسرائيل اتفاق وقف إطلاق النار أكثر من ألف، وقام جيش الاحتلال، الأسبوع الحالي، بترحيل مئات الآلاف إلى المناطق الآمنة، التي هي غير آمنة بالمرة، إضافة لهذه الفظائع، أغلقت معظم المخابز في غزة أبوابها بسبب نفاد الطحين والغاز والمازوت. رويدا رويدا تعود إسرائيل بحربها نحو مستويات حرب الإبادة على أشدّها.
إسرائيل لا تكشف عن أهدافها واستراتيجيتها العسكرية، ومن الصعب التكهن بتفاصيل العملية الجديدة. لكن ما هو واضح أنها لا تحيد عن حرب الإبادة الجماعية والتدمير الشامل، وتتمسك بالحصار والتجويع واستهداف المدنيين، ولكن يمكن الاستدلال عن اتجاه العدوان الإسرائيلي، من خلال طبيعة الفرق العسكرية التي جرى استدعاؤها لشن الهجوم، فقد جرى نقل الفرقة 36، التابعة للمنطقة الشمالية لاجتياح غزة. هذه الفرقة هي أكبر الفرق العسكرية في الجيش الإسرائيلي وتشمل لواء المدرعات 188 ولواء المدرعات 7، ولواء المشاة غولاني وفوج مدفعية ووحدات هندسة واتصالات واستعلامات. هذه فرقة حرب تقليدية معدة للقتال البري والاحتلال والاحتفاظ بالمناطق المحتلة، وهي ليست وحدة كوماندو للعمليات الجراحية المحدودة. ويبدو أن قيادة الجيش الإسرائيلي دفعت بهذه الفرقة تحديدا، لأنّها شاركت في حرب الإبادة سابقا، ولأنها قادرة على شن حرب واسعة، تتوسّع باستمرار. كما أن رئيس الأركان الإسرائيلي الجديد، الجنرال إيال زامير، جاء من سلاح المدرّعات ويعوّل على الاجتياحات البرية «الكاسحة».
يبدو أن العملية العسكرية الإسرائيلية معدّة لفرض الأمر الواقع في المفاوضات وعلى الأرض، فأي اتفاق قد يجري التوصل إليه في المفاوضات، سيدّعي نتنياهو فورا أنّه جاء بسبب الضغط العسكري. وهو اليوم أكثر انسجاما مع قيادة الجيش، التي تسرّب للصحافة بأن الحرب هي الحل بالنسبة لقضية المحتجزين، وهذا يختلف عن موقف القيادة العسكرية الإسرائيلية السابقة. وإذا لم يجر الاتفاق على صفقة ووقف لإطلاق النار فسوف يستمر إطلاق النار.
لقد اعتاد كاتب هذه السطور مقاربة تحليل سياسة إسرائيل باستخدام ثنائية الخوف والغرور. فكلّما تصاعد منسوب الغرور انخفض منسوب الخوف، وبالعكس كما زاد الخوف تدنّى الغرور. ولكن صدمة السابع من أكتوبر قلبت الموازين كلّها بما فيها الموازين «النفسية»، وارتفع المنسوبان بشكل جنوني، بداية خوف هستيري على مجرد الوجود وليس على الأمن وحده، ولاحقا انطلقت نشوة الغرور بعد «إنجازات» القتل والاغتيال والتدمير على الجبهات كافة. انفلات الغرور لم يقلل من الشعور بالخوف، وإسرائيل اليوم مصابة بحالة عصبية من الخوف صباحا والغرور مساء، وبالانتقالات السريعة والمتواترة من قمم الزهو بالذات إلى مهاوي التوجّس المرضي.
هذه الحالة النفسية الإسرائيلية في غاية الخطورة على شعب فلسطين وعلى المنطقة بأسرها، ببساطة لأن إسرائيل دولة قوية ومدججة بالأسلحة الفتاكة وتحظى بدعم ومساندة أقوى دول العالم. وهذه الحالة تلقي ظلّها على قراءة الواقع وتدفع نحو المزيد من العنف بتأثير دوافع الخوف تارة وبأطماع الغرور تارة وبحافز الاثنين تارة أخرى.
هناك ضرورة ملحة لكبح جماح الانقضاض الإسرائيلي المنفلت على الشعب الفلسطيني. ومرّة أخرى: نحن بحاجة لقيادة فلسطينية تترفّع عن الحسابات الفئوية وتفكّر في الشعب وفي مصيره، الذي هو أهم من مصيرها هي.
كاتب وباحث فلسطيني
عن "القدس العربي"