بعد 14 عاماً من تشرذم حركة "فتح"، قرر رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس إعادة توحيد الفصيل السياسي الذي يرأسه، إذ أصدر خلال مشاركته في القمة العربية الطارئة المخصصة لغزة عفواً عاماً عن جميع المفصولين من "فتح".
أكثر المفصولين من غزة
منذ عام 2007، تعاني حركة "فتح" ضعفاً سياسياً وتشتتاً، ونتيجة ذلك نشبت سلسلة خلافات بين قيادة التنظيم الذي يترأسه محمود عباس، وقادة بارزين في الفصيل السياسي، ولم تستطع الحركة حل هذه المشكلات وإنما اتبعت أسهل العروض وقررت فصل كل من يخالف التعليمات.
بدأت حركة "فتح" التي يشكل غالب عناصرها السلطة الفلسطينية، في فصل المنتمين لها للمرة الأولى عام 2011، وعلى خلفية هذه الخطوة أصاب الحركة ضعف سياسي وترهل في صفوفها وعانت انقسامات مختلفة.
وعلى مدار الأعوام الماضية فصلت حركة "فتح" عدداً كبيراً من المنتمين إليها، وغالبهم كانوا يعملون في السلطة الفلسطينية موظفين حكوميين ومن ثم قطعت رواتبهم، وأكثر المفصولين كانوا من قطاع غزة وعدد محدود من الضفة الغربية وخارج الأراضي الفلسطينية.
تكتلات فتحاوية
أنشأ المفصولون تكتلات سياسية غير حركة "فتح" التي يديرها عباس مما أضعف التنظيم السياسي كثيراً، ولم يعد الحزب الأكثر شعبية يتمتع بالقاعدة الجماهيرية نفسها، وتغيرت الأفكار والمصالح كثيراً مما انعكس على وضع الرئيس في غزة، إذ بدت شعبيته قليلة وضعيفة على مختلف الصعد.
حاولت حركة "فتح" كثيراً إجراء مصالحة فتحاوية - فتحاوية وإعادة المفصولين لكن هذه المحاولات لم يكتب لها النجاح، وبقي الفصيل ضعيفاً ومتشرذماً. وخلال حرب غزة، وجد الرئيس عباس أمامه تحديات كبيرة من أجل العودة إلى غزة، أهمها أن موظفي السلطة الفلسطينية بغالبيتهم مفصولون أو محالون للتقاعد، ولهذا قرر توسيع قاعدته من طريق توحيد الحركة.
وخلال القمة العربية الطارئة في شأن غزة، أصدر عباس قراراً مفاجئاً لجميع الأحزاب السياسية وحتى لحركة "فتح" نفسها، إذ قرر العفو عن جميع المفصولين وإعادتهم لصفوف حركة "فتح" وإعادة دمجهم في التنظيم والسلم الوظيفي الحكومي.
عفو من دون مصالحة
بحسب معلومات "اندبندنت عربية"، فإن قرار العفو العام عن المفصولين من حركة "فتح" لم يكن نتيجة أية مصالحة فتحاوية داخلية، ولا بعد مشاورات مع التكتلات الحزبية الفتحاوية الأخرى، ولا حتى نتيجة تفاهمات داخل "فتح" - عباس وإنما كان قراراً مفاجئاً، ويبدو أنه وليد اللقاءات التي جرت معه على هامش القمة العربية الأخيرة داخل العاصمة المصرية القاهرة.
ما يؤكد تلك المعلومات أن متحدث حركة "فتح" منذر الحايك أكد أن عودة المفصولين ستكون اختيارية ومرتبطة برغبتهم الشخصية، أي إن هذا القرار لم يصدر نتيجة حوارات بين التكتلات السياسية الفتحاوية التي برزت أخيراً بعد فصل عباس كوادر فصيله.
ضغوط ومطالب عربية
في الواقع، يبدو أن عباس أصدر مرسوم العفو وإعادة توحيد صفوف الحركة نتيجة ضغوط عربية، ولم يكن قراراً فتحاوياً لمصالح الحزب بحسب متابعين، إذ لم يسبق هذا المرسوم أية حوارات فتحاوية أو مصالحة داخلية كما لا توجد اتصالات بين عباس وخصومه في الحركة.
وتفيد معلومات بأن السعودية طلبت من عباس اتخاذ إجراءات إصلاحية ضخمة في حزبه حتى يقف معه القادة العرب ويدعموه في عودة السلطة الفلسطينية لتسلم غزة، ويعملون على دفع مشروع حل الدولتين وينقذون القضية الفلسطينية من الانهيار.
استجاب عباس لهذا الطلب مُجرياً سلسلة إصلاحات جوهرية في حركة "فتح" والسلطة الفلسطينية، وأرسل فريقه برئاسة أمين سر اللجنة التنفيذية لـ"منظمة التحرير" الفلسطينية حسين الشيخ إلى الرياض خلال شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، لإطلاع الإدارة السعودية على التغييرات الجديدة.
وفي اللقاءات طُلب من فريق الحركة تنفيذ جميع مطالب السعودية التي عرضتها على عباس خلال الأعوام الماضية، وهي تنفيذ طلب الرباعية العربية (السعودية مصر الأردن الإمارات) لعام 2017 بإجراء مصالحة فتحاوية والتي في وقتها رفضها عباس، ونتيجة لذلك توقف تمويل السعودية والإمارات للسلطة.
وطلب السعودية لعام 2024، بتعيين نائب لعباس مقابل دعم السعودية موازنة السلطة الفلسطينية بقيمة 60 مليون دولار شهرياً، وذلك ضمن الإصلاحات ومساندة التمويل الذي يعاني عجزاً.
وطلب السعودية لعام 2025 في توسيع صلاحيات الحكومة بدلاً من جعل كل الصلاحيات في يد الرئيس نفسه. وفي أثناء لقاءات القمة العربية قرر عباس تنفيذ كل تلك المطالب ليتجاوز أي ضغط عربي ولينقذ القضية الفلسطينية ويحافظ على الدعم العربي والدولي.
ويقر متحدث "فتح" منذر الحايك بأن عباس قرر العفو عن المفصولين نتيجة لنصائح الدول العربية التي دعت الرئيس لتوحيد صفوف الحركة والعودة بصورة قوية ومتماسكة، وأن قوة "فتح" بوحدتها يساعدها على النهوض بالقضية الفلسطينية.
العائدون لـ"فتح"
بحسب قرار العفو، فإن جميع عناصر حركة "فتح" يمكنهم العودة إلى صفوف التنظيم السياسي، ومن أبرزهم محمد دحلان الذي يقود حالياً تيار "الإصلاح الديمقراطي في حركة فتح"، وهو الآن في المنفى بالإمارات العربية المتحدة.
ويشمل كذلك ناصر القدوة عضو اللجنة المركزية لحركة "فتح" والذي فصله عباس بعد أن قرر خوض الانتخابات التشريعية بصورة مستقلة بعيداً من الحركة، وكذلك فُصل على خلفية تأسيسه الملتقى الوطني الديمقراطي مما عده عباس "انشقاقاً عن حركة ’فتح‘ الأم".
على ضوء ذلك، يؤكد ناصر القدوة أنه مستعد للعودة لحركة "فتح"، وأنه يجري نقاشات مع قوى غربية وعربية لبحث مستقبل القيادة الفلسطينية.
ومن التيار الإصلاحي لحركة "فتح"، يقول القيادي صلاح أبو ختلة "هناك ضرورة وطنية لإعادة الوحدة للحركة، نجري اتصالات مع جميع التيارات المختلفة من أجل ذلك، المشروع الوطني يتطلب التحرك لمواجهة التحديات التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي".
ماذا يستفيد عباس؟
في أية حال، فإن قرار العفو العام يصب بمصالح مختلفة على عباس نفسه، تقول الباحثة السياسية خلود العواودة "قرار عباس يحل عدداً من الإشكاليات الجوهرية في ’فتح‘، إذ يعاد ترميم الحركة بعودة دحلان والدائرة الواسعة المتصلة به من المستويات القيادية العليا، وهذا يسهم في توسيع قاعدة العمل في الحركة".
وتضيف "العفو عن المفصولين لا يعكس بالضرورة مصالحة داخلية في ’فتح‘، ولكن لهذا القرار أثر واضح في دفع جهود إعمار غزة وترتيب أوضاع القطاع، إذ لا يمكن أن يتم ذلك من دون ترتيب الوضع الداخلي لـ’فتح‘ وتحقيق الوحدة الوطنية خصوصاً مع ’حماس‘".
وتوضح العواودة أن "دحلان قد لا يعود فوراً إلى دور قيادي لكنه قد يكون مرشحاً مستقبلياً لإدارة غزة، بصفته عضواً في ’فتح‘، ولهذا نستطيع القول إن هذه الخطوة لا يمكن عزلها بأية حال من الأحوال عن الخطة المصرية المتصلة بقطاع غزة".
وتشير العوادة إلى أنه لو عادت السلطة الفلسطينية إلى غزة من دون مصالحة، ستعود ضعيفة، حتى لو جرى دعمها خارجياً، لكن مع عودة المفصولين للحركة فإنها تملك رصيداً في غزة وحضوراً، وهذا يساعد السلطة في تمثيل أكبر في لجنة الكفاءات التي من المقرر أن تدير القطاع خلال المرحلة المقبلة وفقاً للخطة العربية لإعادة الإعمار.
المصدر: اندبندنت عربي | عزالدين ابو عيشة